ابن عجيبة
187
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
اللّه تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى فإذا ماتت نفس المريد . واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم ، والغنى والفقر ، والموت والحياة ، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود ، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود . فلا يزيدها الموت الحسى إلا اتصالا وتمتعا وشهودا ، فهي في الترقي أبدا سرمدا ، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار . ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق : واللّه لنبلونكم يا معشر المريدين بشئ من إذاية الخلق وتضييق الرزق ، وذهاب الأموال ، وضعف الأبدان بالمجاهدة ، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ؛ ليظهر الصادق في الطلب بالثبوت في أحكام العبودية ، حتى تشرق عليه أنوار الربوبية ، من الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات ، والركون إلى الرخص والتأويلات ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الثابتين في الطلب ، بالظفر بكل ما أمّلوا ، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا ، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية ، وتعلقوا بقوة الربوبية ، فرجعوا إلى اللّه في كل شئ ، فآواهم إليه من كل شئ ، أولئك عليهم تحنّن من ربهم وتقريب ، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب . قال ابن جزى : ( فائدة ) ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا ؛ وذلك لعظم موقعه في الدين ، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر ، فإنه لا يحصر أجره ؛ لقوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ . وذكر اللّه للصابرين ثمانيا من الكرامات : أولها : المحبة ، قال : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، والثاني : النصر : قال : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، والثالث : غرفات الجنة ، قال : يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ، والرابع : الأجر الجزيل ، قال : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية ، فمنها البشارة قال : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، والصلاة والرحمة والهداية قال : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . والصبر على أربعة أوجه : صبر على البلاء ، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع ، وصبر على النعم ، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها ، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها ، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها . وفوق الصبر التسليم ، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا ، وترك الكراهية باطنا ، وفوق التسليم الرضا بالقضاء ، وهو سرور النفس بفعل اللّه ، وهو صادر عن المحبة ، وكل ما يفعل المحبوب محبوب . ه .